تنظيم حاحا الإرهابى

المكان: حته كدا كركعبه فى حته أسمها الخرتوم، الزمان: الثامنة صباحا.
عبد الصبور:شنو ياحامد مافى شاى ولا شنو؟
حامد:شاي شنو ياحبَه وين قريشاتك!
عبد الصبور:الحالة دى طولت معانا خالص خالص كل يوم مافى شاى لا غداء لاعشاء نجيب قروش من وين!

**اللحظة دى راديو الجيران إشغل:نشرة الصباح من هنا أم درمان**
المذيع:(أعلن الرئيس الأمريكى جورج بوش عن جائزة مقدارها25,000,000$ لمن يدلى بأى معلومات تؤدى الى القبض على أسامة بن لادن رئيس تنظيم القاعدة وقد أكد سيادته أنهم قد فرغوا من تفتيش العراق وأفغانستان ولم يجدوه ويتحركون لتفتيش سوريا والسودان وأيران وجميع دول المنطقة، فى صعيد آخر…..
عبد الصبور:أنت ما نكلم (بوش) دا ونآخد القروش الكتيرة دى مش نحن أولى بلحمنا والمثل بقول (جحا أولى بلحم تورو).
حامد:وأها نعرفوا كيف قاعد وين ؟ دا(ورش) بتاع أمريكا دا ذاتو ماعارف.
عبد الصبور:(بوش) يااحمار ما(ورش).
حامد:بوش ورش بس نقرِش.
عبد الصبور:(وقد ألتمعت له فكرة جهنمية)يوريكا يوريكا.
حامد:قول بسم الله يازول جنيت ولا شنو!
عبد الصبور: جنيت ياجاهل!!! دا أنا كدا بحاكى أفلاطون لمن إكتشف قانون الجاذبيه قال كدا.
حامد:أها يا(سلطاطون) إنتا إكتشفت شنو؟
عبد الصبور: عرفتا حناخد القروش بتاعة (بوش) دى كيف.
حامد: أها قول.
عبد الصبور: نعمل لينا ( إبن لادن) جديد.
حامد(مستغرباً): جديد! نشتريهوا من وين؟
عبد الصبور(ضاغط على أسنانو وعيونو حمرت): نشتريهوا… نشتريهوا…دا إنت ما بتفكر إلا فى الأكل ،هو أىِ حاجه بشتروها؟!
حامد: طيب فهمنى يافهيم.
عبد الصبور: أول حاجه نبيع السراير دى.
حامد(غاضباً) ونرقد وين؟!
عبد الصبور: أصبر شوية دا عشان الخطة بتاعتنا. عاين أى تصادم قطارين إن شاء الله فى الواق الواق، أى إنقطاع كهرباء إن شاء الله فى حلتنا الطوالى قاطعة… ديل نحن السويناها.
حامد(ما فاهم أى حاجه):بس سويناها كيف ونحن قاعدين هنا؟!
عبد الصبور(استعاذ من الشيطان الرجيم وبسمل وحوقل وقال فى سروا الأبُق دا حينفذ معاى الخطة كيف): نحن حنقول تنظيمنا الأرهابى السواها وحنعلن الكلام دا فى النت والفضائيات.
حامد: النت والفضائيات ديل شنو؟
عبد الصبور: النت حاجه بيعوموا فيها والفضائيات حاجه كدا بتطير فيها العصافير.
حامد(وقد بدت عليه علامات الفهم):آآ عرفتهم .
عبد الصبور: أها نسمى التنظيم شنو؟رايك شنو ناخد الحرف الأول من أسمى وإسمك ونكررم…(HAHA)….أسم حاحا إسم جميل ومرعب.

اليوم التالى:
حامد(ينفض هدومو من التراب): أسى الشلاقة لينا شنو نعمل تنظيم وننوم فى الواطه بالذمه دا كلام!.
عبد الصبور: أصير بعد شويه حنتنغنق فى النعمة.
**فى اللحظه دى راديو الجيران أشتغل موسيقى الأخبار**
المذيع: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعد التسليم بقضاء الله وقدره تنعى جميع أحزاب المعارضة المواطن السودانى (لطفى عبدالمنعم) وتحمل الحكومه السودانيه متمثله فى وزارة النقل والمواصلات وتطالب بتسليم مسؤلين الوزاره الى محكمةٍ جنائية دولية مستقله والذى توفى فى حادثة إصطدام القطارين فى مدينة ( أوكلاهوما) الأمريكيه والتى رجح عمدتها حدوث عمل أرهابى و…)
عبد الصبور(قام بنطط وبدا يغنى):وقصر طول مشاويرنا… ورقش بالفرح جلسه النيل… والقمر مرات يبين فى الموج ويدسا. خلاص إتحلت ياحامد.
حامد: المعارضه قالت وزارة النقل هى السبب وإنت فرحان لى كدا!
عبد الصبور: عمرك ما حتفهم حاجه…نحن حنتبنى الحادث دا ،أنا ماش النت وحأرسل صوره بيانا الأول لقناة الجزيرة.

قناة الجزيرة:
المذيعة: (فى خبر عاجل تبنت جهة مجهولة تسمى نفسها (تنظيم حاحا) عملية أصطدام القطارين فى ولاية أوكلاهوما الأمريكية وقالت فى بيان تحصلت الجزيرة على نسخةٍ منه انهم يمثلون كل الغَببش (تتلعثم المذيعه وتعدل من الكلمه) بل كل الغُبش فى العالم. ولم يتم التأكد من صدق البيان من مصدرٍ مستقل.

أها الجماعة بقوا مدمنين نشرة الصباح ومما المذيع يقول أسمو ويتبعا بعبارة (يحييكم) تلقى حامد وعبدالصبور منتشين من الفرح وبعد ما إتبنوا ليهم كم عملية فى قلب النظام العالمى الجديد(أمريكا)

المكان: البيت الأبيض:
بوش (موجهاً كلامو لوزير دفاعه ومسؤول الأمن القومى ورئيس وكالة الأستخبارات المركزية): لازم نقبض على تنظيم أرهابى دا سريع
وزير الدفاع: حاضر سيادتك.
رئيس وكالة الأستخبارات: ما تعلن ليك عن مكافأه 25,000,000$ لمن يدلى بمعلومات تؤدى الى القبض على زعيم بتاعم دا.
بوش: أمم …أوكى …أوكى خليها 50,000,000$

نرجع تانى لى حته كدا كركعبة فى حته أسمها الخرتوم:
الدنيا صباح والراديو أشتغل والمذيع أعلن خبر بوش وحامد وعبدالصبور شغالين بغنوا: لن ننسى أياماً مضت فرحاً (ولمن يقولوا(فرحا) بدوسوا على سنونن طبعاً دا شوية نفاق وكدا
حامد: أها حناخد القروش كيف؟
عبد الصبور:حأديك جواب تمشى تسلموا ل (السفارة الأمريكية).
حامد:وأعرف مكان كيف؟
عبد الصبور:أسأل ليك أى سواق تاكسى وين شارع (على عبد اللطيف) المحتل وحيوريك المكان.
لم تمضى ساعات حتى جاء رجال شداد غلاظ ونطوا من سور بيت عبدالصبور وقال القائد بصوت أجش:(أنبطح أرضاً البيت كلو محاصر)
عبدالصبور (فى نفسو داير يطير من الفرح: أنبطح وليه ما أنبطح دا أنا عمرى كلو منبطح ومنتظركم بفارق الصبر تنقذونا من النحن فيهو دا)

المكان: حته كدا بليسوا فيها لون برتقالى وأى واحد بدوهوا رقم تعرف ب(غوانتنامو)
التحقيق:
المحقق لعبد الصبور:هل تعترف بأنك رئيس التنظيم الأرهابى (حاحا) الذى له علاقات واسعه مع دول محور الشر وعدد من التنظيمات الأرهابية العالمية؟
عبد الصبور:(حاحا) شنو ياباشا دا أنا لاقى آكل واشرب تقول لى (حاحا).
المحقق:ما عايز تعترف يعنى… طيب نحن حنوريك.
بعد ما صاحبنا عذبوهوا وجرجروهوا وبشتنوهوا وكرهوه عيشتوا وندم على أفكاروا البتوديهوا فى ستين دهية وبتلحقوا (أمات طه) جا قرار من المحكمه الدستورية العليا يطلقوا المعتقلين ديل لأنو بوش دا ما عندو عنهم أيِ أدله وطبعاً فترة سجنهم الطويله دى لاعوضوهم ولا يحزنون أى زول جوا فكوهوا فى بلدوا عكس الهواء.

المكان: مطار الخرتوم الدولى
الطياره نزلت ،وصاحبنا جاء نازل (وأمريكا أدتو هدية بدلة وكرفتة وجزمة) عشان يظهر بمظهر يليق بي لقبوا الجديد(سجين سابق فى أسوأ السجون الأمريكية).
الحاضرين للأستقبال: جماعة حقوق الأنسان (المابتشوفم إلا فى الجرائد والتلفزيون)، وكم وزير و وزير دوله، ناس الراديو والتلفزيون .ياربى صاحبنا دا ربنا فتحا عليهو ولا شنو؟!
المكان: صالة كبار الزوار:
المذيع: حدثنا أيها البطل عن سنوات صمودك التى أعادت لنا أمجاد توشكى وشيكان واللواء الأبيض و….
عبد الصبور(بحماسة شديدة وجوعلة سودانية ظاهرة): لقد أريت أمريكا كيف يكون الصمود السودانى، كيف يكون الرجل الأغبش، كيف يكون أبناء الغابه والصحراء أعطيتهم درساً فى المبادئً و..
المذيع(مقاطعاً) أخبرنا عن خططك المستقبلية؟
عبدالصبور:أحتمال أألف ليا كتاب وبدرس فى كم سيرة ذاتية حختار واحده فيهم و…
أحد الحرس الشخصيين الذين أرسلهم وزير الداخلية قال للمذيع بنعومة: (زمن مقابلة الرئيس قربت يلا مع السلامة).

المكان:(……………………)<ماتودونا فى داهيه مافى داعى تعرفوهوا>:
الرئيس(بفخر) :حنديك وسام الصمود من الدرجه الأولى :(درجة الحمار).
عبد الصبور:بس ياريس ليه الحمار ما فى أسم حنكوش شوية.
الرئيس(يبدو أنه قد أصيب بخيبة أمل):لازم أسم الحمار عشان دا إنت أكتر واحد صامد من الحيوانات فى البلد دى.

أها صاحبنا لبسوهو وسام الحمار (وهو عبارة عن قلادة مرسوم فيها حمار) وبعد داك رجعوهوا ل(حته كدا كركعبه فى حته أسمها الخرتوم).
عبد الصبور فى نفسو :(أسى أصل المتعوق حامد دا كيف ويكون ودا القروش وين؟؟)
المكان: حته كدا كركعبه فى حته أسمها الخرتوم:صاحبنا مما خشا بدا يقحقح (إتعود على الفريون وكدا)

اليوم التالى:
(عبد الصبور بعد ما إتنفض وقام مكسر سمع راديو الجيران أشتغل): شكيتك لى الله يا(ماركونى) الإخترعت الروادى.
((مجموعة شركات حامد تعلن عن تخفيض10% فى منتجاتها التى تربو عن الألف منتج))
عبدالصبور قال يلف البلد شوية، فى كل ملف بلقى صورة حامد وتحتا (رجل البر والأحسان وقائد الصناعة الوطنية)، قام أتحير، ووقف ليه زول ، وقال ليهو: (الزول دا منو؟)
الراجل (عاين ليهو بإستنكار) معقوله ماعارفو!!! دا نحن من غيروا كنا رحنا فى دهية.
عبدالصبور:رحتوا فى داهية؟!
الراجل: ما دا البلغ عن رئيس التنظيم الأرهابى (حاحا) وريح السودان من غزو( أمريكا)زى ( أفغانتستان) و(العراق).
عبدالصبور(يطأطأ راسو ويادابو راسو جا وفهِم):أها القاهو وين الزول دا أنا داير ليا مساعده؟
الراجل:أمشى ليهو الشركه ديك( وأشر على مبنى عملاق)
عبدالصبور:دا حامد بقى جامد خالص،عمارة قدر دى يامفترى.

المكان:المقر الرئيسى لمجموعة شركات حامد:
بعد سين وجيم وبهدله خشى عبدالصبور لي صحبوا وشريكوا وبالأصح (تابعوا) القديم.
عبدالصبور خشى فى مكتب حدادى مدادى وفارد يدينو (بالحضن ياحبَه).
حامد(طبعاً ما قام من كرسيهو): حبَه فى عينك، طلباتك سريع عشان أنا زمنى غالى.
عبدالصبور(بى دهشة كدا): شنو ياحامد نسيتنى ولا شنو؟
حامد: مانسيتك بس ما تنسى مركزى الجديد.
عبدالصبور: ومركزك دا مش عملتوا ليك أنا بى فكرى وأيام صمودى فى المعتقلات الأمريكية !
حامد:إنتا ماعملت أى حاجه أنا الأخدت القروش وتعبت عشان أحولا إلى أموال مشروعة من الناحيه القانونية، وتعبت فى تعلم الأتجاهات الدولية للدورات الأقتصادية العالمية و…(كلام كتير عبدالصبور مافهم منو أى حاجه).بس أنا عشان العيش والملح الكان بينا حأوصلك البيت بالعربيه بتاعتى .وداس زر قدامو جات سكرتيرة جاريه .
_أمرك ياباشا؟
_الباشا:وصلوا الزول دا لحدى بيتوا.
عبدالصبور(بعد أن أكله الغضب والحنق والحسره إن شئت جميع المشاعر السالبة): النعمه بتعرف عاطيها إلا الزمن دا… إن كان إنت نسيت العشرة أشوف فيك يوم، وعربيتك دى ما دايره أنا ما نسيت ( حداشر حا) زيك. ويخرج من المكتب غاضباً.

المكان: حته كدا كركعبه فى حته أسمها الخرتوم:
عبدالصبور بدا يفكر آى الغلط منى أنا الما ختيت أحتمال خيانة الأصحاب ومفروض أخت كل الأحتمالات (الدنيا ظلمت فى وشو)وجاتو سقطه قلبيه وشويه كدا وإتلحس.

المكان:حته كدا راقيه فى الخرتوم:
المذيع الداخلى للقاعة: نحن نجتمع اليوم لنأبن ونكرم لرجل من رجالات السودان الأبرار، رجلٌ طالما نافح عن الوطن وحمل إسم الوطن عالياً ضد الذل الأمريكى والعدوان الغاشم على وطننا بإسم الأرهاب، فلنقف دقيقة صمت على روح المرحوم (عبدالصبور)المشهور ب(عبدالصبور حاحا).

حاجة أخيرة ..خارج النص:
اللهم فك أسَر سامى الحاج وكل مظلومى العالم

يوليو2007

“شاورما “حااارة

قبل أسبوعين، في الموقع الألكتروني “الجزيره نت” فأجأني إحتفاء نقدي لرواية جديدة تحمل إسم “شاورما” لكاتب (سوداني) ما إسمه “عماد البليك”…ما فاجأني أنني لما قوقلت إسم “البليك” هذا، أخبرني شيخ ويكيبديا بأنه خريج (هندسة الخرطوم) ،وله من الروايات أربع ،خامسها وآخرها الشاورما. الحق شعرت بالذنب ! خمس روايات من أحد أبناء (هندسة) ولما أسمع به من قبل!.
إشتريت الروايه بشغف حقيقي لأقرءها. دائماً ما أجد في نقسي إحتفاءً بنجاحات أولاد هندسة ،سواء عرفتهم أم لا، كأن لي نصيبا وسهما في ذلك النجاح. ربما طغيان مؤسسة هندسة في نفسي ، وإعتراف بعرفاني لها.

الرواية جميلة برغم صغر حجمها (152 صفحة). جمال الرواية يأتي من (دهشة الدهشة) لبطل الرواية؛ الذي نلقاه طفلا يكتشف العالم والناس، ينصدم مرات ويخيب ظنه مرات. كأنما يحكي بداية الأنسانية وإستعمارها للأرض، ربما هذا سبب خلوها من أسماء شخوص أو معالم جغرافية لكأنما أراد الكاتب تأكيد رمزية شخوص روايته. لذلك أحسب أن كل من يقرأ الرواية يجد نفسه في (فلاش باك) في لقطه من لقطاتها.
هنالك أيضاً بعض فانتازيا. فالرجل العجوز يظهر منقذاً. من العدم. حتي وقت ضيق بطل الروايه صار ينتظر مقدمه. كأنما هو مبعوث من السماء. أتي على ذهني رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” برغم الفارق طبعا !

الرواية تقوم علي نظام السرد. وقد أضاف هذا رونقا للعمل. وبرغم زعم الراوي عدم إهتمامه بالشأن العام إلا بقدر تأثير ذلك على عمله -محل شاورما-؛ لكن سرعان ما تكتشف أن الرواية بكائيه علي (الوطن). الوطن في حده الأدني متمثلا في علاقات الناس وسلوكها. الصداقة الإنسانية التي تجمع إبن الجنوب -النازح- بإبن الشمال-النازح لأسباب أخري!-، يتعلم منه مهنته، يعطيه أسرارها بلا ضغينه، يقسم له عمله، يتشاركان السكن- والمأكل بدون عقد دونية وعنصرية منتنة… حتي تأتي لعنة الحرب فتفرقهما جسداً، وتفصلهما، قبل أن يلحق بها الوطن نفسة فيشقي وينفصل !.

تجد دهشة المفارقات ! فالتركي، صار لا يطيق ترك بلد ليست بلده، لأنه وجد سكينة العيش وطيبة الناس، فرفض أن تحتضن أرض أخري جثمانه. فحسب قوله: “الحياه وسط الغرباء تجعل الإنسان سعيداً”. نفس ذلك الوطن لعب فيه (العسكر السياسيون)، فصار حلم شبابه هجرانه !
ترافق الرواية بطلها في حقب ثلاث. نظام نميري، وإنتفاضة إبريل و حكومة الأحزاب، ثم النظام الحالي. تجد معالم كل نظام متناثره هنا أو هناك. بذكاء شديد نثرها الكاتب. فتجد الخمور في الحفلات، وفوضي الأسعار، ونظام الجبايات والرشاوي وأخذ أموال الناس بالباطل متجاوره. تجد بعض علية القوم صاروا في أدناها، هي الدنيا ترفع وتخفض!.

لكن الرواية لا تطفئ شمعة الأمل ! فربما يعود صاحب الأمانه ليحمل أمانته يوماً. كل ما علينا أن لا نفرط فيها !
شكراً مهندس (عماد) لكل هذا الجمال.

ملحوظة: نشرتها كبوست في الفايس بووك بتاريخ  September, 11, 2014

و طيبه Imagine : حلم الأنسانية

أغنية (Imagine) للفنان الانجليزي الراحل (John Lennon)، وأغنية (طيبه) من تأليف الراحل (محمد الحسن سالم حميد) وتلحين وغناء المدهش (مصطفى سيد احمد)، تشحناني رغبة في (الحياة)، كلما استمعت لهما. و برغم اختلافات اللغة، والثقافة، والنغم، لكن، كل من الاغنيتين، تكاد تصبح كل منهما، توأما للأخرى. كأنما أنجبتهما رحمٌ واحدة!

Lennon أحد مؤسسي الفرقة الأشهر في القرن العشرين -فرقة ال (Beatles)- وكاتب الاغاني منذ طفولته. عاش حياة الفقر صغيراً. انتقل للعيش في أمريكا. ناهض حرب فيتنام، ودعاية حكومة نيكسون، حتى انها جعلت شغلها الشاغل ترحيله من امريكا. لكن في بلد تحكمها القوانين و قداسة حق التعبير باءت كل محاولات ادارة نيكسون بالفشل. تم اغتياله في العام 1980. وهو في الأربعين من عمره فقط. و إلى اليوم يصر محبوه انها مؤامرة مدبره من الحكومة الامريكية لإسكاته! أياً يكن الأمر، ما لا شك فيه؛ انه حياته القصيرة كانت عاصفة جداً.

أما حميد و مصطفى فأيقونات للثائرين و معذبي بلدي، خاصةً في سودان ما بعد الانقاذ. معارضتهما للحرب على ابناء الوطن و تشريدهم و تعذيبهم احتاجت منهما شجاعةً كبيرةً. لم يقصر جلاوزة جهاز الامن للتضييق عليهما. مُنعت حفلات المرحوم مصطفى بعد ان بيعت التذاكر. فيصِر على ان يعيد ثمنها للجمهور وهو في عز حوجته للمال لمقابلة مصاريف علاجه. رحل مصطفى بعد معاناته مع الفشل الكلوي و هو في الثالثة و الاربعين. كأنما الأربعينات هذه لأخذ هؤلاء العباقرة! لعل احد اصدقاء مصطفى يكتب عن كيف عامله الأمن السوداني من بدء التسعينات حتى رحيله، الأمم الحيه تعيد الإعتبار لنوابغها، طال الزمن او قصر. و تجد في سوداننا مجاهيل تسمى شوارع و قاعات باسماءهم وامثال حميد و مصطفى تحرمهم السلطات. لعلها تكره اقلال منامها بمن يذكرها بظلمها. هذا النظام إلى زوال، فالدائم الله. و ستُرفع اسماءهم و توقر كما هي في قلوب شعبهم.

يدعوك(Lennon) لرحلة تخيل: ان العالم لا جنة فيه لنتقاتل للوصول اليها، لا دول و حدود بينها، عالم تنتفي فيه الرغبة و الحوجة للمِلكِية و التملك، عالم بدون جشع و بدون جائعين. يخبرك انه يعلم مسبقاً انك ستظن به الظنون. و بدون اكتراث يدعوك لتحاول (التخيُل) و رحلة (الحلم). و على نفس المنوال يغني (حميد) بدوزنة (مصطفى) للأطفال الناشفه ضلوعا، مؤملاً بغد افضل، يغني للناس المُبعده منه بقصد و سوء نية. في (طيبة) وُظفت الرمزية اللغوية بطريقة ممتعة جداً. و اضفت اللهجة الدارجة ايقاع جميل. لو استمعتها شعرا لوجدت روحك تلولح معاها و تميل. برغم ان (حميد) يحكي عن سوداننا لكن تجده يفكر في مقياس أكبر، هنا الدعوة لوحدة الأنسانية تجمعه مع (Lennon). روح تفائلية مُعدِية تجدها تلتصق بقلبك. لا شعوريا يتجه قلبك ليحلم (ببكرة) أجمل.

انظر للتشابه بين هذين المقطعين: الأول ل Lennon:

“Imagine no possessions
I wonder if you can
No need for greed or hunger
A brotherhood of man
Imagine all the people
Sharing all the world

و المقطع الثاني لحميد:

“وما بتحيـّر بين الفوق .. وبين الناس التحتانية
إلاّ مغـيـّر .. ولاّ عقُوق .. ولاّ كفيف الإنسانية
ومنـِّك وين يا كاشفة عينيا
بنور الإلفة .. ضِيا الحنية
وحِلم العالم .. ناس تتسالم
والبنى آدم صافى النية
والأطفال الناشفة ضلوعا
يطمِّن روعا
وتبدى تغنى
غناوى البكرة .. الكم مسموعة
حسيس طنبارة .. مع نـُقارة
صفِقتاً حرة .. ودارة تغنى”

حياة كل من (Lennon) و (حميد) تتباين، جغرافيةً و احداثاً و وقائعاً. لكنهما يحدثانك بنفس اللسان. ما يؤكد إن الإنسانية يجمعها أكثر مما يفرقها. لكن المستفيدون و المتربحون، دوما كانوا و سيظلون يعملون على توسيع الشقة. تجارتهم تبور لو تسالم العالم وصار واحداً. يضم النادي افرادا من شتى التيارات. في مقدمتهم تجار الحروب و خدمهم من علماء الأديان. لكن، برغم سواد العالم هذه الفترة وتفرزعه و ضبابية مستقبله، دعنا نحلم. دعنا ننضم جميعا و نغني معاً لعالم جديد قد (لا) يُبنى يوما. الحلم إلى الآن لم تفرض عليه ضرائب. حمداً للرب. المقطعين للحالمين Lennon و حميد بالترتيب.

 “You may say I’m a dreamer
But I’m not the only one
I hope someday you’ll join us
And the world will be as one”

أغنى الناس الما بتسمعنى
المِنِّى بعيدة .. ومبعدة عنى
النادا نشيدا .. وكنت المعنى
الإيدى فى إيدا .. وإيدا بتبنى
فى دنيا جديدة اليوم .. راح تدنى”

الأسود يليق بنا!

16081961

ان تقرأ لأحلام مستغانمي، فأنت مع موعد مع دُوار وسكرة متعة الدهشة. نفضتُ غبار سبات شتوي عن روايتها (الأسود يليق بك). لشهور ربضت على طاولتي. استعرتها من صديق -لعله إشتراها سراً- فاليوم تضغط (النسوية). يريدون مستغانمي خالصةً لهم من دون (الذكور). تباً لهُن. وهل من جريمة أكبر من احتكار الجمال؟! لا يوجد اليوم من يكتب بلغة مستغانمي؛ ذلك قاموس تنحته لوحدها. لغةُ تعيد اختراعها اختراعا، واجتراح الجميل فيها. صدق من قال الرواية شعر العصر الحديث. شرط ان يقرضه امثال مستغانمي و الطيب صالح.

قرأت الرواية في جلستين. بعد الجلسة الأولى: شعرت بحوجتي للراحة؛ لإلتقاط بعض انفاسي اللاهثة. و بعد فراغي من الكتاب في جلستى الثانية، فقدتُ -ضربة لازِب- رغبتي في الحياة! و إستيقظت –وياللغرابة- رغبتي في الكتابة. كأن بعث شئ -ما- يحتاج موت آخر!. يهيأ لك و انت تقرأ الرواية انك تسمع موسيقى رافائيل و شوبارت و نغمات بتهوفن و ستراتوس تدوي بين حروفها الانيقة. لا تجد مناصاً، بعد بضع صفحات، من وضع موسيقى هؤلاء المدهشين في الخلفية –يالهول ما لهذه الموسيقى الخلابة في النفوس؟!-.

اقيس اي عمل فني من الكتب و الافلام بمقدرتها على التأثير علي. ما لم يحركني عمل فني اعتبره تضيعا لزمني! وخسارة! تلك مخاطرة يجب اخذها لعلك تكسب بعض زئبق الدهشة. لذلك توقفت عن مشاهدة افلام الأكشن. لا دهشة ترجى من هؤلاء الخارقين.

كثلاثية مستغانمي، هزني (الأسود). حتى حسبت انه سلب رغبتي في معافرة و مشاكسة هذه الحياه البائسة. أو لعلي لا احتاج سببا. فدوما طعم الحزن اكثر إغراءً! الرواية (رقصة). رقصة محمومة لا تهدأ و لا تفتر. رقصة عن صراع رغبة امتلاك ما نحب، و سطوة كبرياءنا و نزق غرورنا. عن (الحب) الذي يجعلنا اجمل و الحب الذي يجعلنا نذبل. عن جدل ماهية الكائن المسمى الحب. ما بين ثنائية (الإحتياج) و (الإجتياح). عن الخوف من تعرية نفوسنا لمن نحب؛ خوف خسارتنا (لانفسنا) بتسليمنا انفسنا لهم/لهن. عن فيزياءه و منطقة الغريب؛ ذكاء المسافة بين اقتراب يحرقه و بٌعدٍ يدلقه.

دعني اقتبس: “الأكثر فجعاً، ليس ما لم يكن لنا، بل ما امتلكناه برهة من الزمن، و سيظل ينقصنا للأبد” اي حكمة لهذه الكلمات/اللطمات. الم اقل ان تدخين لفافات الحزن اكثر متعة؟! هذه رواية –لا شك- نتاج جرح عظيم. تزعم الرواية ان التائهين في الحياة هم من لم يضبطوا ايقاعهم قبل ان ينطلقوا. سأضيف هذا الزعم لخريطة بحثي عن جزيرة كنز خروجي من (متاهتي). من يدري ما تحتاجه هذه الحياة؟. ربما ترغب فيمن يرقص لها كمن لا يراه احد. مقترح ضمن إقتراحين آخرين خٌتمت بهم الرواية

ارقص كما لو انَ لا احد يراك”

غن كما لو انَ لا احد يسمعك ..

أحب كما لو ان لا احد سبق و ان جرحك”

ما احوجني للنصيحة. كأن مستغانمي تكفر عن ما الحقته بي من اضرار…